د. موسى (الصورة من المراسل الفخري محمد الزيني)
بقلم مراسل كوريا.نت الفخري المصري محمد محمود الزيني
في الفترة من 25 يناير إلى 9 فبراير من العام الجاري قام السيد الدكتور/ كيم جونغ دو (موسى) بالسفر إلى مصر قادما من موطنه بكوريا الجنوبية لزيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب في الدورته رقم 53 حيث شهد المعرض هذا العام إطلاق آخر كتاب ترجمه للعربية بعنوان "المروحة الورقية الجميلة" الصادر من دار صفصافة للنشر والتوزيع التي دأبت على نشر ترجمات مميزة عن الكورية، وخلال هذه الفترة تلقيت دعوة كريمة لمقابلته والحديث معه عن أعماله وترجماته، ثم تطرق حديثنا إلى أكلاته المفضلة وتجاربه في السفر حول العالم.
عند لقاءه وجدته شخصا بسيطا ومتواضعا ومرحا وحملت كلماته الكثير من الحكمة فاستمتعت جدا واستفدت من صحبته طوال لقاءانا الذي امتد لعدة ساعات وتواصلنا فيما بعد، اليوم أشارككم بعضا مما دار في هذا اللقاء.
بداية سأذكر موجزا من السيرة الذاتية للدكتور موسى حتى نتعرف عليه بشكل أكبر. الدكتور كيم جونغ دو (موسى) يعتبر من رواد الجيل الثاني من المترجمين الكوريين من وإلى العربية، فقد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية ثم قام بتدريس اللغة والثقافة العربية والإسلامية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة "ميونج جي" قبل تقاعده، كما تقلد منصب مدير معهد دراسات الشرق الأوسط فيها حتى عام 2021 وشغل منصب رئيس الجمعية الكورية للشرق الأوسط ورئيس الجمعية الكورية للغة العربية والأدب العربي ورئيس الجمعية الكورية لدراسات صناعة "الحلال". هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والمؤلفات عن العرب والإسلام، وأيضا مساهمته في عدد كبير من الترجمات؛ منها مشاركته في ترجمة دساتير 14 دولة في الشرق الأوسط إلى الكورية بالإضافة إلى أعمال أخرى.
الدكتور موسى كرر أكثر من مرة أن اللغة ما هي إلا وسيلة لنقل ما هو أهم؛ كالثقافة والخبرات والتجارب الملهمة وليست غاية لذاتها.. لذلك فقد قرر أن يكون لقاءنا تعزيزا للمعرفة بجانب من جوانب الثقافة الكورية، فالتقينا في أحد المطاعم الكورية الشهيرة بمنطقة المعادي بجنوب القاهرة مع صديقه واستاذي العزيز د. محمود عبد الغفار أستاذ الأدب الحديث والمقارن بجامعة القاهرة وأ. محمد بلال رئيس قسم الثقافة بموقع المدار للإعلام الرقمي.
بعد التحايا بدأنا الحديث، ومع بداية حديثنا بدأ النادل في وضع أطباق المقبلات الكورية الشهية أمامنا، فبدأنا تناول المقبلات أثناء حديثنا. لم يضاهي تنوع أصناف المقبلات إلا تنوع موضوعات الحديث مع الدكتور موسى.
المقبلات الكورية التقليدية الشهية (الصورة من المراسل الفخري محمد الزيني)
دار الحديث بسلاسة عن الثقافة بتشعب كبير، بداية من أسماء كل ما نتناوله من طعام والفوائد الصحية لكل صنف حتى ذكر ما تناوله الدكتور موسى بالترجمة من أعمال الأديب المصري الوحيد الحاصل على جائزة نوبل نجيب محفوظ. وقد وجهت بعدها للدكتور موسى بعض الاسئلة التي أجابني عليها بترحاب شديد ومنها ما يلي:
س. كيف بدأ اهتمامك بالثقافة العربية؟
"بدأت أفكر في الشرق الأوسط كبلد الأحلام أثناء قراءة كتاب "ألف ليلة وليلة" عندما كنت تلميذا في المدرسة الابتدائية عن الثقافة العربية. ومع بداية ازدهار الاهتمام بالشرق الأوسط من قبل كوريا الجنوية في السبعينيات، أصبحت مهتمًا بالثقافة العربية، وأتساءل لماذا يؤمن الكثير من الناس في العالم بالإسلام"
س. ما هي أبرز الأعمال التي ترجمتها من الكوريةإلى العربية والعكس؟
"(قصائد الهيمالايا) للشاعر كو أون. تمت ترجمة هذا الكتاب بالاشتراك مع الأستاذ محمود عبد الغفار الأستاذ بجامعة القاهرة. الشاعر كو أون هو أفضل شاعر في كوريا، ويتم ترشيحه لنيل جائزة نوبل في الأدب كل عام. يتغلغل شعره في معاناة الإنسان وجوهر الحياة. لذلك، بناءً على تجربة الشاعر أثناء زيارته لجبال الهيمالايا، فقد عبرت عن التفكير الشرقي (أوالأفكار الشرقية) جيدًا، لذلك، أثناء ترجمة هذا العمل، تمكنت من إلقاء نظرة على نفسي، التي كانت غارقة في الحضارة المادية. أصدرت الهيئة المصرية العامة الكتاب ضمن سلسلة الجوائز الجديدة مترجما عن الكورية مباشرة، ترجمة وتقديم الدكتور محمود عبد الغفار، والدكتور موسى كيم جونغ دو في 2016. وكنت أعتقد أن مبادئ الحكم في هذه البلدان كانت في الغالب دينية ، لكن أثناء ترجمة دساتير 14 دولة للشرق الأوسط ، تعرفت أن الدول العربية تعيش بنفس مبادئ الحكم مثل البلدان الأخرى"
وقد أطلعت على نسخة من ترجمة الدكتور موسى للدستور المصري الحالي.
نسخة من ترجمة الدستور المصري إلى الكورية (الصورة من المراسل الفخري محمد الزيني)
س. هل تعتمد معاييرا معينة عند اختيار الأعمال التي تترجمها؟
"أعتقد أن الكتاب يجب أن يلهم القراء ويجب أن يحتوي على قيم عالمية للإنسانية. في الواقع ، لا يمكن القول أن رواية واحدة تمثل بلدا بأكملها. لذلك، فضلت بشكل أساسي المجموعات الشعرية التي تم تجميعها كمقتطفات من اللغة والسيرة الذاتية للأشخاص ذوي الخبرة للتفكيرعلى المستوى الأعلى من الآخرين في الحياة. وبما أن التراثيات العربية مهمة، فقد شاركت أيضا في ترجمة كتاب "الموطأ" للإمام مالك"
نعود لعنوان المقال، المروحة الورقية الجميلة هو كتاب سيرة ذاتية للدكتورة/ لي غيل يو التي ساهمت بشكل فعال في نهضة وتطوير قطاعي الصحة والتعليم في كوريا منذ أصبحت طبيبة في الخمسينيات وحتى الآن.
د. لي تخرجت في كلية الطب بجامعة سيول الوطنية، وهي واحدة من أرقى جامعات كوريا الجنوبية، في عام 1958 افتتحت مركز لي غيل يو الطبي للنساء والتوليد، حينها كانت الأوضاع الصحية في كوريا فقيرة ومتردية، وكانت نسبة وفيات الأطفال مرتفعة، كما كانت تكاليف العلاج باهظة جدا ولا يمكن لكل الناس تحملها فقامت المراكز الطبية بفرض نظام "للتأمين" يقتضي دفع تكاليف العلاج أو جزء منها مقدما بمجرد دخول المستشفى لضمان حقوقها المالية. لكن الدكتورة لي غيل يو إيمانا منها بحق الجميع في الحصول على الخدمات الطبية ومساهمة في تحسين الوضع الصحي في بلادها قامت بتقديم خدمة العلاج بدون تأمين مسبق لتتيح لمزيد من المرضى تلقي العلاج في مركزها. لم يستطع كل مرضاها دفع تكاليف العلاج بعد تلقيه، وتحملت هي هذه الخسارات المالية إيمانا منها بدورها المجتمعي.
"في الفناء الخلفي للمستشفى كانت هناك دائما مزروعات مثل الذرة والبطاطا الحلوة بالإضافة إلى بعض الأسماك وهي ما أحضره المرضى الذين خرجوا من المستشفى ولم يتمكنوا من دفع تكاليف العلاج امتنانا لها وعرفانا بجميلها"
تلقت الدكتورة لي وسام الاستحقاق من الحكومة الكورية عام 2003، وهو وسام وردة الشارون أرفع وسام يمنح للمدنيين في كوريا تكريما لها على هذه الاسهامات.
كانت هذه بداية اسهامها في المجال الطبي، بعدها أسست جامعة غاتشون للطب والعلوم عام 1988 ثم توسعت فيها وطورتها وقامت بدمج جامعة كيونغ وان معها فولدت جامعة غاتشون عام 2011. كما استقطبت العديد من الكوادر الناجحة والهامة في مجالي الطب والتعليم للنهوض بالتعليم والبحث العلمي بالجامعة. أيضا أنشأت العديد من مؤسسات الخدمة العامة.
لم تتزوج الدكتورة لي، ولم تشعر يوما بالوحدة لأن أعضاء مؤسسة غاتشون هم عائلتها وأحبتها. وتحتفظ بشبابها الدائم نتيجة لشعورها بالواجب كما عبرت في كتابها.
وعن سبب اختيار المروحة الورقية لتكون رمز مؤسسة غاتشون قالت: "في طفولتي، كنت كثيرا ما ألعب بالمروحة الورقية. أصعد تلة شاسعة ممسكة بإحدى يدي مروحة ورقية بعد أن ثبتها في القش. تدور المروحة الورقية بقوة أكبر فقط عندما تكون هناك مقاومة للرياح المعاكسة. كلما اشتدت قوة الرياح المعاكسة، دارت المروحة الورقية أسرع وبمرح أكبر، مثلي تماما حين أصبح أقوى وتنبثق مني روح التحدي عند مواجة الأزمات"
في المقال القادم نتابع باقي الحديث مع الدكتور موسى مترجم هذا الكتاب الملهم.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.