
تظهر الصورة مائدة مراسم التأبين الكورية ’جيهسا‘. (الصورة من كوريا.نت فليكر)
بقلم مراسلة كوريا.نت الفخرية المصرية نورهان عادل
لطالما كان هناك العديد من التساؤلات حول مائدة مراسم تأبين الأجداد والأسلاف في كوريا الجنوبية التي غالبًا ما تنعقد خاصة في عيد الحصاد ’تشوسوك‘ وعيد رأس السنة القمرية ’سولنال‘ أو في يوم الذكرى السنوية للمتوفى. "أين يذهب طعام المراسم؟" و"هل يتم تركه أو التبرع به؟" و"هل يقدسون الكوريون أسلافهم؟" و"هل من الممكن تجربة هذا الطعام؟" و"هل تتشابه مراسم التأبين الكورية مع الذكرى السنوية للمتوفى بمصر؟" إلخ.. لا داعي للكثير من التساؤلات، ففي هذا المقال سنتناول ماهية هذه المراسم، وكيف يتم التحضير لها ومن يقوم بتحضيرها، ومن المسؤول عنها؟
عادةً ما تتجمع العائلة معًا لإظهار الاحترام لأسلافها، ويكون الشخص المسؤول عن هذا بحسب التقاليد هو أكبر ذكر في العائلة، وهذا من أكبر الأسباب التي كانت تجعل إنجاب الذكور ليس فقط محببًا قديمًا، ولكن مهم أيضًا لعقد مثل هذه المراسم. ولكن لا يمكننا إنكار دور نساء العائلة، فتحضير أطعمة هذه المائدة يستغرق الكثير من الوقت، فقد يستغرق أسبوع على أقل تقدير.
ويتكون طعام هذه المائدة من الحساء، والأرز، واللحوم، والأسماك المجففة، والكثير من الفطائر والمقليات، ومختلف الخضروات والفاكهة كالكمثرى والتفاح والبلح والكاكا (البرسيمون). وتختلف نوعية الطعام من أسرة لأسرة ومن مقاطعة لمقاطعة. ولكن من الصعب تحضير كل هذا الطعام في وقت وجيز، فهناك بعض الأسواق التي تقوم ببيع هذا الطعام.
بالنسبة لكيفية ترتيب، في الصف الأول المواجه مباشرةً للأسلاف يتم إعداد المائدة من خلال وضع طبق من الحساء والأرز ويكون الأرز موضوع في جهة اليسار بينما الحساء في جهة اليمين، يليه بالصف الثاني الأطباق الجانبية والأسماك المجففة، وهنا يجب الحذر، حيث يجب وضع رأس السمكة في اتجاه الشرق فيمكنها النظر مباشرةً للأسلاف. وأيضًا في الصف الأخير يتم ترتيبه بوضع الفواكه، والحلوى.
يرتدي الكوريون عادةً في هذا اليوم البدل الرسمية، أو في بعض العائلات التقليدية يرتدون الملابس التقليدية الكورية ’هانبوك‘.
يتوسط اسم المتوفى شمعتين ويكون مكتوبًا على ورق ’هانجي‘، وهو الورق الكوري التقليدي، وبعدها يمكن تبديل أسماء الأسلاف المختلفة. يأتي دور تحية للأسلاف عقب انتهاء تحضير المائدة، حيث يقوم ’المضيف‘ (أكبر ذكر في العائلة) بتقديم الشراب ويتبعه باقي الأفراد بالانحناء مرتين لكل سلف على حدة. ثم يقوم بتقديم الطعام لأسلافه عن طريق وضع عيدان الطعام على الأطباق المفضلة لهم، ويغرس الملعقة في منتصف طبق الأرز.
وهنا تقوم العائلة بمغادرة الغرفة لتدع الأسلاف يستمتعون بالطعام في سلام، تاركين فقط المضيف حتى يسمح لهم بالدخول بعد ذلك. ولكن بدلًا من مغادرة الغرفة يمكنهم أن يقوموا الحضور بالتراجع والوقوف دقيقة من الصمت. وفي النهاية لتغادر أرواح الأسلاف في سلام، يتم حرق ورقة من الهانجي تسمى ’جي بانغ‘، ويكون فحواها بجانب أسماء المتوفين نصوص خاصة بالمراسم.
قد تختلف المراسم بعض الشيء الآن من حيث كيفية التحضير للمائدة ونوعية الأطعمة وكما ذكر في السابق، سبب تفضيل إنجاب الذكور. للقيام بتلك المراسم ولكن في الوقت الحالي يمكن للنساء في بعض العائلات الغير تقليدية القيام بهذه المراسم أيضًا. وقد يكتفي البعض بزيارة القبور وتقديم الشرب والفاكهة فقط.
وأخيرًا يأتي ما انتظرتموه، أين سيذهب الطعام بعد انتهاء المراسم؟ لا داعي للقلق، يتم تناول الطعام من قبل أفراد الأسرة، حيث يستمتعون بالطعام والحديث. فلا يتم ترك هذا الطعام اللذيذ ولا التبرع به.
أما بالنسبة لتقديس الكوريين لأسلافهم فهذا غير صحيح، هذه المراسم تكون لإظهار الاحترام والامتنان للأسلاف لتحل عليهم البركة بالإضافة إلى تذكر جذورهم.
ولمن يود تجربة هذا الطعام بما أنه لن تكون هناك فرصة لحضور مثل هذه المراسم، فمطاعم مدينة ’أندونغ‘ أفضل خيار، حيث ما يسمي بـ’هات جيهساباب‘، وهو مسمى آخر لطعام هذه المراسم، فـ’هات‘ تعنى مزيف و’جيه سا باب‘ تعنى طعام الجيهسا، وسبب هذه التسمية أن هذا الطعام لن يستخدم في إعداد المراسم التذكارية للموتى ولكن يتم شراؤه وتجربته في أي وقت خارج إطار هذا المرسم، لذلك فهو مزيف. وتكون مكونات هذا الطبق من ’البيبماب‘ المكون من الأرز والخضروات، ويتم تتبيله بالصويا صوص بدلاً من معجون ’غوتشو جانغ‘، وهو معجون الفلفل الأحمر. لأن الأرواح لا تحب الروائح النفاذة كرائحة الثوم وبعض التوابل.
أما بالنسبة لمصر، فهناك بعض أوجه التشابه. فبعد دفن الميت، يقوم أهله بصنع الطعام تعبيرًا عن امتنانهم لمن تحملوا مشقة القدوم لتقديم التعازي. عادةً هذا الطعام لا يسمى طبقًا لطقوس المسلمين، لكنه يسمى ’لقمة رحمة‘ أو ’لقمة شركة‘ طبقًا للطقوس المسيحية يتشارك فيها أهل الفقيد مع الأقارب والمعزين. وقد يكتفي البعض بتوزيع ’قربان‘، وهو الخبز المقدس، على المعزين. يقتصر تحضير هذا الطعام على أيام العزاء أو ذكرى مرور أربعين يومًا للمتوفى.
أما في الذكرى السنوية للمتوفى أو في الأعياد الدينية المختلفة بجانب زيارة القبور، يحرص أهل المتوفى على توزيع نوع من المخبوزات يسمى ’قرص‘ وبعض الفواكه، وهو ما يعرف بـ’الرحمة‘ على الأقارب والجيران، وهناك من يتصدق بالنقود أيضًا. ويعتبر هذا التجمع فرصة للم شمل العائلة والتحدث في مختلف أمور الحياة.
shaadiya1223@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.