يكمن سحر كوريا الحقيقي في أزقتها المحلية الخفية. وانطلاقًا من مبادرة «أفضل 100 معلم محلي» (قائمة تضم 100 معلم ثقافي محلي جاذب) التي اختارتها وزارة الثقافة والرياضة والسياحة بعناية، تنطلق «كوريا نت» في رحلة لاستكشاف وجهات فريدة تمزج بين التاريخ والفن والإنسان في مختلف أنحاء كوريا.
قرية «هيبانغتشون» تُعد وجهة سياحية بارزة، حيث اكتسبت شهرة عالمية واسعة بعد أن اتُخذت خلفيةً لتصوير مسلسلات درامية شهيرة مثل «عندما تتفتح زهور الكاميليا» (2019) و«إيتيوون كلاس» (2020). (تصوير: الصحفي لي جونغ-وو)
بقلم الصحفية لي جي-هيه
«هيبانغتشون».. أول قرية تحت جبل نامسان
على بعد محطة واحدة فقط من محطة «إيتيوون» الصاخبة بالحشود في منطقة يونغسان بالعاصمة سيئول، تظهر قرية «هيبانغتشون»؛ وهي الوجهة التي أُدرجت ضمن قائمة «أفضل 100 معلم محلي» التي اختارتها وزارة الثقافة والرياضة والسياحة. وقد حظيت هذه القرية بشهرة عالمية واسعة بعد أن اتُخذت خلفية لتصوير مسلسلات درامية شهيرة مثل «عندما تتفتح زهور الكاميليا» و«إيتيوون كلاس». واليوم، تجذب «هيبانغتشون» جيل الشباب والسياح بفضل التناغم الفريد بين مشهد أزقتها القديمة ومتاجرها التي تزخر بالتميز والخصوصية.
قرية «هيبانغتشون» التي تشكلت على طول المنحدرات الحادة لسفح جبل نامسان. وعند دخول المقاهي ذات الشرفات المفتوحة «روف توب» في هذه المنطقة، يمتد أمام الناظر مشهد بانورامي ساحر لوسط مدينة سيئول. (تصوير: الصحفي لي جونغ-وو)
ونظرًا لأن القرية تشكلت على منحدرات جبل نامسان، يمكن رؤية «برج نامسان سيئول» عن قرب ومن أي مكان في «هيبانغتشون». وبفضل تضاريسها المرتفعة، يكفي الصعود إلى الطابق الثاني أو الثالث من أي مبنى للاستمتاع بإطلالة مكشوفة وخلابة على وسط مدينة سيئول.
«ملاذ الحياة» الذي صنعته بهجة الاستقلال وآلام النزوح
يجسد اسم «هيبانغتشون» (والذي يعني قرية التحرير) تقلبات التاريخ الكوري الحديث بكل تفاصيله. فقد أطلق هذا الاسم بعد أن توافد إليها المغتربون العائدون إلى أرض الوطن فور تحقيق الاستقلال عام 1945، إلى جانب أولئك الذين هُجِّروا قسرًا إلى الخارج خلال فترة الاستعمار الياباني وبدؤوا العيش فيها معًا. وبعد اندلاع الحرب الكورية، استقر بها النازحون القادمون من شمال شبه الجزيرة الكورية، ليرسخوا جذور حياتهم فوق هذه المنحدرات الوعرة.
وفي وقت من الأوقات، كان من الصعب تطوير المنطقة بسبب تضاريسها الجبلية الحادة، وظلت تُعد رمزًا للفقر لاكتظاظها بالأكواخ الخشبية. ولكن للمفارقة، تحولت تلك التضاريس المتعرجة وآثار الزمن اليوم إلى أجواء فريدة تميز «هيبانغتشون» وحدها. وبين أزقتها القديمة، استقرت متاجر يديرها أجانب وورش عمل لفنانين شباب، مما يضفي عليها الآن طابعًا مفعمًا بالتميز والحيوية.
الصورة اليسرى تظهر جرار الفخار التقليدية «أونغغي» التي تحرس الزقاق المؤدي إلى مدخل «هيبانغتشون» من المخرج رقم 2 لمحطة «نوكسابيونغ» على الخط السادس لمترو الأنفاق. والصورة اليمنى تظهر متجرا يحمل بصمة صاحبه الخاصة. (تصوير: الصحفي لي جونغ-وو)
أزقة تحتضن التميز والخصوصية بديلًا عن سلاسل المتاجر الكبرى
عند الخروج من المخرج رقم 2 لمحطة «نوكسابيونغ» على الخط السادس لمترو الأنفاق والسير على طول الطريق، تسترعي الانتباه جرار الفخار التقليدية «أونغغي» التي تعلن عن بداية قرية «هيبانغتشون». وتضفي هذه الجرار الطينية المصطفة بعناية على جانب الطريق لمسةً تستحضر عبق الماضي في قلب المدينة الحديثة.
وقد تعمقت الأجواء الخاصة التي تميز «هيبانغتشون» بشكل أكبر بتأثير من قاعدة القوات الأمريكية المجاورة في يونغسان سابقًا. وتنتشر في أزقتها متاجر يديرها أجانب بأنفسهم، مما يمنح الزائر شعورا وكأنه يتجول في أحد شوارع المدن الأجنبية. ولا يوجد مكان هنا لسلاسل المتاجر والامتيازات التجارية الكبرى، بل تطغى عليها المتاجر الصغيرة التي تحمل البصمة الخاصة لأصحابها.
الصورة اليسرى تظهر درج «108 درجات» الشهير كموقع لتصوير المسلسلات، والصورة اليمنى تظهر المصعد المائل لدرج «108 درجات». (تصوير: الصحفي لي جونغ-وو)
درج «108 درجات» الذي كان يؤدي إلى ضريح غيونغسونغ هوكوك خلال فترة الاستعمار
يعد درج «108 درجات»، المشهور كموقع لتصوير مسلسل «حدث في بالي»، وجهة محبوبة لدى الكثيرين بفضل أجوائه الضيقة والهادئة. ويرمز هذا الدرج إلى المقامات والأحزان الـ108 في البوذية، ويتكون بالفعل من 108 درجات كما يشير اسمه.
وفي الأصل، كان هذا الدرج مدخلًا لـ«ضريح غيونغسونغ هوكوك» الذي أنشأته الإمبراطورية اليابانية عام 1943 لتكريم قتلى حروبها العدوانية. كما كان الضريح موقعًا لمأساة تاريخية، حيث دُمجت فيه قسرًا ألواح أرواح الجنود اليابانيين الذين لقوا حتفهم في الحرب الصينية اليابانية (1937-1945) وحرب المحيط الهادئ (1941-1945)، إلى جانب الكوريين الذين جُنِّدوا قسرًا وفقدوا حياتهم.
أما الآن، فقد اختفى الضريح وحل محله سكن الطالبات التابع لـ«جامعة سوكميونغ للبنات»، وتم تزويد الدرج بمصعد مائل يسهل الصعود والهبوط بجانبه.
لقطة لرجل وامرأة يسيران في سوق «شينهنغ» يوم 6 من الشهر الماضي. (تصوير: الصحفي لي جونغ-وو)
سوق «شينهنغ» في «هيبانغتشون» حيث يتعايش عبق الماضي مع الحس العصري
يجمع سوق «شينهنغ» في «هيبانغتشون» بين المباني الطوبية القديمة والمتاجر ذات اللمسات العصرية، ويُعرف مؤخرًا بين الشباب كأبرز وجهات ثقافة «النيوترو» (التي تدمج بين الحداثة والرجعية «النوستالجيا»). وتصنع المتاجر الحديثة تباينًا لافتًا وسط الأزقة القديمة والضيقة. وبفضل هذه الأجواء السينمائية الفريدة، أصبح السوق وجهة مفضلة يتسابق إليها منتجو الأفلام والمسلسلات لتصوير أعمالهم.
وكان سوق «شينهنغ» بمثابة القلب النابض الذي قاد العصر الذهبي للصناعات المنزلية الحرفية في «هيبانغتشون» خلال السبعينيات والثمانينيات. وفي تلك الفترة، كانت آلات الحياكة في القرية تعمل دون توقف ليلًا نهارًا. وكانت الكنزات والقفازات والجوارب التي تُصنع بعناية في كل منزل تتدفق بغزارة إلى سوق «شينهنغ»، الذي كان بمثابة مركز التوزيع اللوجستي لتعبئة المنتجات وشحنها إلى جميع أنحاء البلاد.
ومع بداية التسعينيات، دخل السوق في فترة صمت عميق وطويل، بعد تحول صناعات النسيج والملابس إلى الإنتاج الضخم وانتقال المصانع إلى ضواحي المدن. إلا أن الدفء بدأ يعود إلى هذا الفضاء المنسي مجددًا منذ عام 2010، حيث بدأت المقاهي وورش العمل الفريدة تشغل المحلات الفارغة تدريجيًا، معلنةً انطلاقة جديدة لإحياء المكان. وفي عام 2021، تم تركيب سقف مظلي يغطي السوق بالكامل، ليكتمل بذلك المشهد الاستثنائي الحالي الذي يتعايش فيه الماضي والحاضر معًا.
الصورة اليسرى تظهر «السقف السحابي» كما يبدو من داخل سوق «شينهنغ»، بينما تظهر الصورتان اليمنى العلوية والسفلية مشهدًا عامًا للسقف من الخارج ليلًا ونهارًا على التوالي. (مصدر الصورة اليسرى واليمنى العلوية: شين جيه-إيك من مكتب «يو آي إيه» للمهندسين المعماريين، ومصدر الصورة اليمنى السفلية: كيم دونغ-ها من مكتب «يو آي إيه» للمهندسين المعماريين)
jihlee08@korea.kr