بقلم الصحفية لي جي-هيه
تصوير: الصحفي لي جونغ-وو
فيديو: الصحفي بارك ديه-جين
تخرج المأساة من وراء الضباب على شاشة السينما لتطأ أرض الواقع. ففي فبراير الماضي، بدأ عرض فيلم «الرجل الذي يعيش مع الملك» ليجتذب 16.72 مليون مشاهد، محتلاً المركز الثاني في قائمة الأفلام الأكثر رواجاً في تاريخ السينما الكورية. لكن ما هو أكثر تأثيراً من الأرقام القياسية هو تدفق الزوار نحو مدينة «يونغ وول»، حيث يتجمع الناس لتتبع الآثار الأخيرة للملك «دانجونغ»، سادس ملوك سلالة جوسون.
كان الملك «دانجونغ» ملكاً سيئ الحظ، سُلب منه العرش على يد عمه الملك «سيجو» (سويانغ دايغون)، وانتهت حياته في سن السابعة عشرة. ويُعد مشوار حياته، الذي بدأ بالتنحي بعد ثلاث سنوات من تتويجه وانتهى في منفاه بمدينة «يونغ وول»، سجلاً مؤلماً في تاريخ جوسون؛ إذ تلاشت حياته كزهرة قبل أن تتفتح، ولا تزال ذكراه حية في أرجاء «يونغ وول» حتى بعد مرور 570 عاماً.
وفي 24 أبريل، اقتفت «كوريا نت» أثر الفيلم لتصعد ممرات جبلية في «يونغ وول» بمقاطعة غانغوون، حيث قضى الملك أيامه في المنفى.
مشهد من «تشيونغ ريونغ بو» في مدينة «يونغ وول» تملؤه دموع الملك «دانجونغ»؛ وهو الموقع الذي نُفي إليه حيث تحاصره مياه النهر من ثلاث جهات، وتفصله منحدرات صخرية شاهقة من الخلف.
«تشيونغ ريونغ بو».. سجن الطبيعة الذي يحمل لوعة الملك
يُعد «تشيونغ ريونغ بو»، الموقع الرئيسي لأحداث الفيلم، بمثابة «سجن طبيعي»؛ إذ تحيط به الأنهار من الشرق والجنوب والشمال، فيما ترتفع صخور «يوك يوك بونغ» الشاهقة من الغرب. وهو مكان لا يدخله أحد ولا يغادره إلا بالقوارب، حيث تمتزج المناظر الطبيعية الخلابة بعزلة مؤلمة، في صورة تجسد الواقع القاسي الذي واجهه الملك الشاب بعد تجريده من لقبه الملكي عام 1457.
الصورة تظهر المقر الرئيسي الذي أقام فيه الملك «دانجونغ»، وإلى جانبه غرف الوصيفات والخدم (على اليسار)، بينما تجسد تماثيل شمعية ملامح تلك الحقبة (على اليمين).
داخل «أوسو» (المقر الذي أقام فيه الملك دانجونغ)، والذي أُعيد بناؤه بعد أن جرفته الفيضانات، تقف الدمى الشمعية وحدها تحرس سكون الماضي. ويُعد رئيس القرية «أوم هيونغ-دو» في الفيلم شخصية حقيقية، حيث كان يتسلل ليلاً لزيارة الملك، وتبدو تحياته كأنها تتردد في الآذان ممتزجة بصوت تدفق المياه وحفيف أشجار الصنوبر.
ضريح الملك «دانجونغ» الذي استعاد رتبته الملكية في عهد الملك «سوكجونغ» عام 1698؛ وقد بُني بأسلوب بسيط نظراً للمعارضة الشديدة من المسؤولين في ذلك الوقت.
«جانغ ريونغ».. ضريح متواضع يجسد عزلة الملك
على بُعد خمس دقائق بالسيارة من «تشيونغ ريونغ بو»، يقع ضريح «جانغ ريونغ»، وهو الضريح الملكي الوحيد من بين أضرحة مملكة جوسون في مقاطعة غانغوون؛ إذ يخالف العرف الذي كان يقضي ببناء الأضرحة بالقرب من العاصمة «هانيانغ»، ليعكس بذلك عزلة الملك حتى بعد وفاته.
وعلى الرغم من استعادة مكانته الملكية بعد 241 عاماً من وفاته، إلا أن ضريحه جاء بسيطاً للغاية بسبب المعارضة السياسية الشديدة حينذاك؛ إذ خلا من النقوش الصخرية والأسوار الحجرية التي ترمز لسلطة الملك، وبدلاً من التماثيل العسكرية، يقف تمثال «المسؤول المدني» وحيداً بجانب الملك الصغير.
وفي زاوية من الضريح، يقع مبنى «جانغ بان أوك» الذي يضم ألواحاً تذكارية لـ 268 من المسؤولين المخلصين الذين ضحوا بحياتهم من أجله؛ مما يمنح المكان قيمة استثنائية كونه الضريح الملكي الوحيد الذي يخلد ذكرى هؤلاء الأوفياء.
سجل الوفاء للملك «دانجونغ» في «جانغ بان أوك» بضريح «جانغ ريونغ»، حيث تُحفظ ألواح تذكارية لـ 268 مخلصاً حافظوا على ولائهم للملك الشاب حتى النهاية.
لا تزال نهاية الملك «دانجونغ» يكتنفها الغموض؛ فبينما تشير «حوليات الملك سيتجو» إلى أنه قضى انتحاراً، يرى مؤرخون أن هذه الرواية تفتقر للمصداقية كونها كُتبت من منظور «المغتصب للعرش». وتتباين الروايات في سجلات أخرى، لكن الحقيقة الراسخة هي أن «أوم هيونغ-دو» كان الوحيد الذي تجرأ على استعادة جثمان الملك في وقت خشي فيه الجميع من بطش السلطة.
وفي يونيو 2009، أُدرج 40 ضريحاً ملكياً من سلالة جوسون (بما في ذلك ضريح «جانغ ريونغ») ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. فإذا كنت ترغب في استشعار ثقل التاريخ بعيداً عن شاشات السينما، فتوجه الآن إلى «يونغ وول»؛ حيث تنتظرك قصة الملك الشاب التي دامت 500 عام لتهمس لك من وراء نهر «سيو غانغ».
مراسم طقوس الملك «دانجونغ» التي أقيمت في ضريح «جانغ ريونغ» الشهر الماضي؛ حيث يُقام سنوياً «مهرجان دانجونغ الثقافي» تخليداً لذكراه.
jihlee08@korea.kr