الثقافة

2026.09.18

نقوش «بانغوداي» الصخرية في قرية دايغوك-ري ببلدة أونيانغ، التابعة لمنطقة أولجو في مدينة أولسان الكورية. (المصدر: بارك ديه-جين)

نقوش «بانغوداي» الصخرية في قرية دايغوك-ري ببلدة أونيانغ، التابعة لمنطقة أولجو في مدينة أولسان الكورية. (المصدر: بارك ديه-جين)



أولسان = بقلم لي جي-هيه

نسير على ممشى خشبي بمحاذاة مجرى بانغوتشون، فيلفت أنظارنا على الضفة المقابلة جرف صخري ضخم صمد أمام تعاقب الزمن. وما إن ننظر عبر منظار منصة المشاهدة حتى تبدأ آثار حقبة ما قبل التاريخ السحيقة في الظهور على سطح الصخر. إنها نقوش «بانغوداي» الصخرية في دايغوك-ري بأولسان، وهي سجل لحياة أناس عاشوا قبل 7 آلاف عام، في عصر سابق لاستخدام الكتابة في المنطقة، ونقشوا تفاصيل حياتهم على الصخر بمطارق حجرية.

وزارت «كوريا نت» يوم 8 سبتمبر موقع «النقوش الصخرية على امتداد مجرى بانغوتشون» في أولسان، المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

ويُطلق اسم «النقوش الصخرية على امتداد مجرى بانغوتشون» على موقعين معًا، هما نقوش «تشونجون-ري» الصخرية، التي اكتُشفت يوم 24 ديسمبر 1970، ونقوش «بانغوداي» الصخرية في دايغوك-ري، التي كُشف عنها في يوم عيد الميلاد من العام التالي، الموافق 25 ديسمبر 1971. ويمثل اكتشاف إرثين عظيمين للبشرية في المنطقة نفسها خلال عامين متتاليين واقعة نادرة.

وتتقاطع في نقوش «تشونجون-ري» الصخرية زخارف تعود إلى العصر البرونزي مع كتابات منقوشة من عصر مملكة «شيلا»، متجاوزة آلاف السنين. أما نقوش «بانغوداي» الصخرية في دايغوك-ري، فتضم مشاهد متنوعة لصيد الحيتان والحيوانات البرية وصيد الأسماك، يعود معظمها إلى العصر الحجري الحديث. وقد تعرض جزء كبير من النقوش في وقت سابق للغمر بالمياه نتيجة بناء سد «سايون»، إلا أن ضبط منسوب المياه وجهود الحفظ ساهما في صون شكلها الكامل حتى اليوم.

نقوش «بانغوداي» الصخرية في قرية دايغوك-ري ببلدة أونيانغ، التابعة لمنطقة أولجو في مدينة أولسان الكورية. (المصدر: بارك ديه-جين)

نقوش «بانغوداي» الصخرية في قرية دايغوك-ري ببلدة أونيانغ، التابعة لمنطقة أولجو في مدينة أولسان الكورية. (المصدر: بارك ديه-جين)


وتضم نقوش «بانغوداي» الصخرية في دايغوك-ري ما مجموعه 312 صورة محفورة على واجهة صخرية ضخمة في الجزء السفلي من مجرى بانغوتشون، يبلغ عرضها نحو 8 أمتار وارتفاعها قرابة 4.5 متر. وعند تأمل الصخرة من بعيد عبر المنظار، تتجلى دقة الملاحظة المذهلة التي تمتع بها إنسان العصر الحجري الحديث.


نقوش «بانغوداي» الصخرية في قرية دايغوك-ري ببلدة أونيانغ، التابعة لمنطقة أولجو في مدينة أولسان الكورية، تجمع بدقة بين حيوانات بحرية، مثل السلاحف والحيتان، وحيوانات برية، مثل النمور المرقطة والأسود. (المصدر: بارك ديه-جين)

نقوش «بانغوداي» الصخرية في قرية دايغوك-ري ببلدة أونيانغ، التابعة لمنطقة أولجو في مدينة أولسان الكورية، تجمع بدقة بين حيوانات بحرية، مثل السلاحف والحيتان، وحيوانات برية، مثل النمور المرقطة والأسود. (المصدر: بارك ديه-جين)


وتنبض على اللوحة الصخرية الواحدة صور حية للنمور والغزلان والخنازير البرية، إلى جانب أسماك القرش والسلاحف وأعداد كبيرة من الحيتان. وتبرز خصوصًا الدقة التي رُسمت بها الحيتان؛ إذ جُسدت بصورة واقعية، وفقًا لخصائصها الشكلية، سبعة أنواع منها على الأقل، هي حوت شمال المحيط الهادئ الصائب، والحوت الأحدب، والحوت الرمادي، وخنزير البحر عديم الزعنفة، وحوت العنبر، والحوت الطيار، والحوت القاتل.

وتتكامل هذه الرسوم فوق الصخر لتشكل فيلمًا وثائقيًا مجسمًا نابضًا بالحياة. وتتوالى المشاهد بدءًا من البحث عن الحيتان، مرورًا بصيدها باستخدام القوارب والحراب، وصولًا إلى سحب الحيتان المصطادة إلى اليابسة وتقطيعها وتوزيعها. وتمثل هذه النقوش مادة ثمينة تثبت وجود جماعة امتلكت في هذه المنطقة خلال عصور ما قبل التاريخ ثقافة بحرية متقدمة في صيد الأسماك وتقنيات منظمة لصيد الحيتان.

ولا تقتصر النقوش على ذلك؛ إذ تصور بوضوح صيادين يمسكون بالخنازير البرية والغزلان باستخدام الرماح أو الفخاخ، ويصطادون النمور بواسطة الأسيجة أو الشباك. كما تظهر هيئة شامان يرقص، إلى جانب مشاهد يُعتقد أنها تصور طقوسًا للتضرع من أجل نجاح الصيد البري والبحري، أو طقوسًا تُقام بعد انتهائهما، ما يتيح لمحة عن الثقافة الشعائرية لإنسان العصر الحجري الحديث آنذاك.

وأُدرج موقع «النقوش الصخرية على امتداد مجرى بانغوتشون» عام 2025 على قائمة اليونسكو للتراث العالمي خلال الدورة الـ47 للجنة التراث العالمي، ليصبح الموقع الـ17 لجمهورية كوريا على قائمة التراث الثقافي العالمي، ويحظى باعتراف عالمي بقيمته. ويحدونا الأمل في أن تظل سجلات الحياة التي تركها أناس عاشوا قبل آلاف السنين على الصخور مصدرًا متجددًا للتأثر والإعجاب لدى الأجيال القادمة، متجاوزة حدود الزمن.


jihlee08@korea.kr