حاولتُ هنا تجسيد تاريخ سوجي بيل؛ فالرواية الورقية تكتمل ملامحها مع النسخة الأولى من صحيفة «المستقل» وصورة البطل في شبابه عبر شاشتي الرقمية، لتروي قصة معركة بدأت بالكلمة والوعي. (تصوير: مروة السنوسي)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية مروة السنوسى
في 6 يونيو من كل عام، تتوقف الحركة في شتى أنحاء جمهورية كوريا، وتنكس الأعلام، وتدوي صفارات الإنذار لتذكر أمة بأكملها الوقوف دقيقة صمت إجلالاً وتكريماً لأرواح أولئك الذين بذلوا دماءهم في سبيل الوطن. إن «يوم الذكرى الكوري» ليس مجرد مناسبة وطنية عابرة، بل هو جسر شعوري يربط الحاضر المزدهر بماضٍ مليء بالتضحيات والألم.
ولكن، هل تقتصر الذاكرة الوطنية على جبهات القتال وخنادق الحروب؟ الإجابة تأتينا من عمق الأدب الكوري المعاصر، وتحديداً من خلال الرواية التاريخية الحائزة على جائزة الكاتب الرقمي الأولى في فئة الرواية التاريخية للكاتب «غويو»، بعنوان «سو جي-بيل يقف في البرية».
تقدم هذه الرواية مدخلاً أدبياً وفلسفياً عميقاً يثري مفهوم التضحية والذكرى، متجاوزاً حدود البندقية إلى آفاق الفكر والنضال الوجودي.
التقطتُ هذه الصورة مع تسلل خيوط الشمس الدافئة، لتسقط على رواية «الوقوف في البرية» وصورة المصلح سوجي بيل في خريف عمره؛ شاهدةً على مسيرة تضحية وفكر أضاءت عتمة الوطن ولم تنطفئ. (تصوير: مروة السنوسي)
لكي نفهم ترابط هذا العمل الأدبي مع وجدان «يوم الذكرى»، يجب أن نغوص في حبكة الرواية الرئيسية التي نسجها الكاتب «غويو» باقتدار. لا تسرد الرواية سيرة ذاتية جافة، بل تأخذنا إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر؛ حيث تعيش مملكة جوسون أواخر أيامها تحت وطأة الأطماع الاستعمارية الكبرى والفساد الداخلي.
تبدأ الحبكة الروائية بالصدمة والتحول العنيف في حياة الشاب الذكي والواعد «سو جي-بيل». في سن العشرين تقريباً، يجد نفسه مدفوعاً برغبة عارمة لإنقاذ وطنه من التبعية والجهل، فيشارك عام 1884 مع مجموعة من الشباب الإصلاحيين (مثل كيم أوك-غيون) في «انقلاب كابسين» الشهير. كان الهدف الإطاحة بالنظام القديم المستسلم للقوى الخارجية وبناء كوريا حديثة ومستقلة. لكن هذا الحلم اليوتوبي لم يدم سوى ثلاثة أيام فقط، حيث فشل الانقلاب بعنف وسحقت الحركة الإصلاحية.
هنا تنعطف قصة الرواية نحو ذروتها الدرامية والإنسانية؛ حيث يُصنف «سو جي-بيل» خائناً للبلاد، وتتعرض عائلته للإعدام والانتحار القسري في مأساة عائلية تدمي القلوب، ويُجبر هو على الفرار من وطنه لتبدأ رحلة نفيه الطويلة والشاقة إلى اليابان ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
تركز الرواية بشكل مكثف على فترات الاغتراب، وتصور «البرية» كحالة نفسية ومكانية عاشها البطل؛ برية الغربة، الفقر الصادع، واللغة الغريبة في أمريكا، حيث اضطر للعمل في طحن الفحم والوظائف الشاقة ليعيل نفسه، متجرعاً مرارة الانكسار وموت الأحبة، لكنه في الوقت ذاته يأبى الاستسلام، فيتعلم الإنجليزية ويصبح أول كوري يحصل على شهادة الطب في أمريكا، ويحصل على الجنسية الأمريكية باسم 'فيليب جيسون'.
الجزء الثاني من صراع الرواية الرئيسي يتمثل في عودته الحتمية إلى وطنه عام 1895. لا يعود سوجي بيل جندياً يحمل السلاح لينتقم لعائلته، بل يعود طبيباً ومفكراً يحمل إيماناً راسخاً بأن تنوير الشعب هو الحصن الوحيد الباقي لحماية استقلال كوريا.
وتصل الرواية إلى إحدى أهم محطاتها التاريخية عندما تؤرخ لتأسيسه صحيفة «المستقل» عام 1896، كأول صحيفة تُطبع بالكامل بالخط الكوري «الهانغل» لتصل إلى عامة الشعب والمهمشين والنساء، وليس فقط النخبة التي تقرأ الحروف الصينية.
من خلال هذه القصة، تبرز الرواية كيف تحول البطل من ثائر شاب يبحث عن التغيير عبر السلاح والانقلاب، إلى مصلح ناضج يدرك أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من عقل المواطن، ووعيه بالحرية، والعدالة، والمساواة.
ترتيبي الخاص لرموز الوفاء والاستقلال; حيث تجتمع الرواية التاريخية وعلم كوريا المصغر، مع بطاقة رسمتُها بيدي تعبيراً عن امتناني الشخصي لتضحيات الأبطال في السادس من يونيو. (تصوير: مروة السنوسي)
من خلال هذه القصة المحورية، يتضح لنا أن عنوان الرواية 'الوقوف في البرية' يحمل رمزية بالغة تتقاطع بقوة مع فلسفة يوم 6 يونيو. «البرية» لم تكن مجرد صحاري أمريكا أو شوارع الغربة، بل هي فترات الضياع السياسي، والاحتلال، والتمزق الذي عانت منه الأمة بأكملها.
أن تقف في البرية وحيداً، كما فعل «سو جي-بيل»، يعني أن تختار المواجهة والاغتراب في سبيل فكرة آمنت بها. هذا الموقف الوجودي يشبه إلى حد بعيد موقف الجنود الشباب الذين استشهدوا لاحقاً في القرن العشرين؛ كلاهما وقف في «برية المجهول» ليدفع ثمن حرية أجيال لم يروها بعد. الرواية توثق الاغتراب النفسي والسياسي للمثقف الذي يحمل وطنه في قلبه أينما ارتحل، وتوضح أن الشهادة في سبيل الوطن تبدأ أولاً بوجود وطن مستقل في وعي الأمة، وهو الوعي الذي شيدته تضحيات الرواد الأوائل بمداد القلم قبل فوهات البنادق.
أردتُ في هذه اللقطة أن أجمع بين عمق رواية «سو جي-بيل يقف في البرية» وبين طقسي الخاص في إحياء يوم الذكرى الكوري؛ حيث تظهر الرواية بجانب بطاقة رسمتُها وخططتُها بيدي لجنود الوطن وزهرة الموغونغوا الوطنية. (تصوير: مروة السنوسي)
تتميز هذه الرواية بكونها تجمع بين الحقائق التاريخية والخيال الأدبي الممتع، وهو نمط يسعى لإعادة الروح للشخصيات التاريخية وجعلها قريبة من وعي القارئ المعاصر. هنا يلتقي الأدب بالهدف الأسمى ليوم الذكرى؛ فبينما تحيي الدولة الذكرى بالمراسم الرسمية، يحييها الأدب بإعادة إشعال الأسئلة الجوهرية: ما هو الثمن الذي دُفع لنعيش اليوم في بلد حر؟ وما هي مسؤوليتنا تجاه تلك التضحيات؟
ولأن الفن هو اللغة الأكثر عمقاً للتعبير عن الوفاء، لم أرد أن تمر هذه القراءة كحدث عابر؛ بل نسجتُ طقسي الخاص بالتزامن مع السادس من يونيو. أخذتُ ريشتي وصنعتُ بطاقةً تذكارية مرسومة يدوياً تُجسد جنود الوطن الأوفياء وتتوسطها زهرة الموغونغوا الوطنية، لتكون تحيتي الشخصية النابعة من القلب والوجدان لهؤلاء الأبطال، دامجةً وعي القراءة بلمسة الفن الحية.
وضعتُ بطاقتي التذكارية التي رسمتُها مباشرة على الصفحة التعريفية لكاتب الرواية «غويو»، كجسر شعري يربط بين نضال الفكر الذي صاغه الكاتب، وفعل الوفاء الذي أجسده في هذه المناسبة. (تصوير: مروة السنوسي)
إن قراءة الرواية بالتزامن مع السادس من يونيو تمنح المناسبة بعداً ثقافياً أعمق. فالاحترام لا يُقدم فقط لمن سقط في ميدان المعركة، بل لكل من احترق فكره ليضيء عتمة الأمة، ولكل قلم وفنان حاول تخليد هذا الإرث وتعميق ترابط الحكاية الوطنية الكورية.
زوايا مفعمة بالأمل؛ زهور الموغونغوا تشرق عبر الشاشة الرقمية لتكمل الترتيب البصري الذي صنعته بين العمل الأدبي وبطاقتي المرسومة، معلنةً أن تضحيات الأبطال تثمر دائماً حرية وحياة. (تصوير: مروة السنوسي)
ختاماً، في يوم الذكرى الكوري، تتشابك الدموع بالامتنان، وتبرز الروايات التاريخية الرصينة كمرآة تعكس عظمة التضحيات البشرية. إن رواية «سو جي-بيل يقف في البرية» بقصتها الدرامية العميقة تخبرنا أن النضال الكوري هو سلسلة متصلة الحلقات؛ بدأت بصرخة قلم في برية الاستعمار والمنفى، وتوجت بدم جندي على تلال المعارك الحديثة.
وقراءتنا لهذه الأعمال، وتحويلها إلى لوحات وصور توثيقية، ليست مجرد مضيعة للوقت، بل هي طقس أدبي وفني موازٍ لدقيقة الصمت، وإعلان مخلص بأن تلك الأرواح سواء ناضلت بالكلمة، أو بالسلاح، أو بالريشة لن يطويها النسيان أبداً.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.