الكاتبة الأسترالية «كريستين نويل» بجانب غلاف مذكراتها الصادرة حديثاً «خمسة فصول في سيئول»، والتي توثق رحلة تشافيها وإعجابها بالثقافة الكورية. (المصدر: الكاتبة كريستين نويل)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية مروة السنوسي
تأسر مدينة سيئول قلوب زوارها بطرق شتى، ولكن بالنسبة للكاتبة والمؤلفة الأسترالية «كريستين نويل»، لم تكن العاصمة الكورية مجرد وجهة سفر، بل كانت ملاذاً للاستشفاء النفسي. وصلت كريستين إلى كوريا عام ٢٠٠٥، في فترة عصيبة من حياتها طغت عليها مشاعر الفقد بعد وفاة والدها، وركود مسيرتها الفنية في المسرح الغنائي، لتجد نفسها تتغير جذرياً بفضل ارتباط هذا البلد الوثيق بالطبيعة، وفلسفة فصوله الأربعة، والدفء الفريد لثقافة طهوه وطعامه.
تأتي مذكراتها الصادرة مؤخراً بعنوان «خمسة فصول في سيئول» في مارس ٢٠٢٥ لتوثق رحلة التحول الملهمة. أجريت مع الكاتبة «كريستين» مقابلة عبر البريد الإلكتروني في ٢٥ مايو ٢٠٢٦ للحديث عن كواليس كتابها، وإعجابها العميق بالتراث الكوري، وكيف ساعدتها «سيئول» على التداوي من أحزانها.
من المسرح الغنائي إلى الكتابة؛ الجانب الفني للكاتبة «كريستين نويل» قبل انتقالها التاريخي للعيش والعمل في العاصمة الكورية سيئول عام ٢٠٠٥. (المصدر: الكاتبة كريستين نويل)
هل يمكنكِ تعريف قراء «كوريا نت» بنفسكِ؟ ونبذة عن خلفيتكِ ككاتبة وكيف أصبحت كوريا جزءاً محورياً من رحلتكِ؟
اسمي كريستين نويل، مؤلفة وكاتبة مستقلة أقيم في ملبورن، أستراليا. قبل أن أبدأ مسيرتي في الكتابة، كنت مغنية وراقصة وممثلة، وأعمل بشكل أساسي في المسرح الغنائي. في عام ٢٠٠٥، تقدمت لاختبار أداء مع فرقة مسرحية تُدعى (مسرح لافت للأطفال)، والتي كانت تحت إدارة «روجر ريند» في ذلك الوقت. أُقيم الاختبار في سيدني، لكن مقر الشركة كان في حي كانغ نام الشهير في سيئول. بعد الاختبار، عُرض عليّ عقد عمل وانتقلت للعيش في سيئول لمدة عام كامل. كانت تلك الفترة التي قضيتها في العيش والعمل هناك تحولية للغاية، وأصبحت كوريا جزءاً كبيراً ومحورياً من حياتي. عندما عدت إلى أستراليا، شعرت بالإلهام لبدء الكتابة. لقد كانت رحلة طويلة مليئة بالمنعطفات والتحديات، لكنني تمكنت في النهاية من كتابة وإنتاج عرضي المسرحي الفردي «الأماكن التي زرتها»، وهو ما قادني لاحقاً لكتابة مذكراتي «خمسة فصول في سيئول».
ما الذي جذبكِ في البداية إلى كوريا؟ وفي أي مرحلة أثناء إقامتكِ هناك أدركتِ أن تجاربكِ تتحول إلى مذكرات شخصية؟
لأكون صادقة، لم أكن أعرف الكثير عن كوريا في ذلك الوقت. كان هذا في عام ٢٠٠٥، أي قبل أن تصل «الموجة الكورية» (الهاليو) إلى أستراليا. لم تكن لدينا منصات البث الرقمي الشهيرة لمتابعة أحدث المسلسلات الكورية، ولم أكن قد تذوقت الكيمتشي أو أي نوع من الطعام الكوري قط. كنت أمر بفترة عصيبة للغاية؛ فقد توفي والدي، وكانت مسيرتي في المسرح الغنائي في أدنى مستوياتها. كنت بحاجة ماسة إلى العمل وإلى التغيير، وعندما عُرضت عليّ الوظيفة في سيئول، بدت لي بمثابة الهروب المثالي من مشاكلي. لم يكن لدي أدنى فكرة أن هذه التجربة ستكون غنية ومثمرة إلى هذا الحد وتغير حياتي للأفضل. لم أتوقع أبداً أن أقع في حب كوريا وثقافتها بهذا العمق، أو أن أكون صداقات تدوم مدى الحياة. لم أفكر في كتابة مذكراتي إلا بعد مرور سنوات طويلة، ولكن عندما بدأت في كتابتها أخيراً، أدركت أنني كنت دائماً مقدرة لمشاركة قصتي مع العالم.
«ريستين» تختبر مفهوم الـ«بابسانغ» التقليدي؛ لقطات تجمع بين سحر الأحياء التراثية في سيئول ومتعة استكشاف المطبخ الكوري كعنصر للاستشفاء. (المصدر: الحساب الشخصي للكاتبة كريستين نويل مع أخذ الإذن باستخدامها)
الانتقال إلى بلد جديد يحمل دائماً تغييرات في نمط الحياة. ما هي بعض العادات اليومية أو الجوانب الثقافية الكورية المتعلقة بالصحة وأسلوب الحياة التي وجدتي نفسكِ تتبنينها أثناء العيش هناك؟
في البداية، وجدت مرحلة الانتقال صعبة للغاية؛ لم أكن أتحدث اللغة، وكانت وظيفتي تتطلب جهداً بدنياً كبيراً. ولكن بعد مرور بعض الوقت، وبمساعدة زملائي الرائعين، بدأت في التأقلم ووجدت راحة وطمأنينة كبيرة في الحياة الكورية. كان التناغم بين الفصول والطبيعة والطعام جانباً ثقافياً ارتبطت به بعمق؛ إذ لامستني المعاني الفلسفية الكامنة وراء كل فصل، ومفهوم التوازن والانسجام، وفكرة «الطعام كدواء». كما وجدت مفهوم الـ«بابسانغ»، والذي يترجم إلى «مائدة مُعدة للبهجة والتمتع بالوجبات» مبهجاً ويرفع المعنويات؛ فكنت أتوق للوجبات اليومية التي أشاركها مع زملائي الذين أصبحوا أصدقاء مقربين. استمتعت أيضاً بزيارة المقاهي التراثية لتناول الشاي ومقاهي الاستجمام والحرارة الكورية التقليدية جيم جيل بانغ للاسترخاء بعد العمل.
تتميز سيئول بمزيجها الجميل بين التاريخ العريق وأسلوب الحياة الحديث للغاية. كيف أثر هذا التناقض على نظرتكِ للمدينة، وكيف عكستِ ذلك في كتابتكِ؟
هذا أحد أكثر الأشياء التي أحببتها وما زلت أحبها في سيئول، ولهذا السبب أصبح فكرة رئيسية وقوية في مذكراتي. إن الطريقة التي يتعايش بها التاريخ جنباً إلى جنب مع كل ما تقدمه التكنولوجيا الحديثة هو ما يجعل سيئول مدينة فريدة من نوعها. أعشق فكرة أنني أستطيع المشي في مدينة عصرية نابضة بالحياة في دقيقة ما، ثم بمجرد الالتفاف حول المنعطف، أجد قصراً يعود إلى سلالة «جوسون» العريقة، أو منزلاً كوري تقليدياً (الهانوك) من القرن الرابع عشر. أنا معجبة جداً بهذا الارتباط بالماضي، وبالاحترام الكبير الذي يكنه الكوريون لأجدادهم، وشعورهم القوي بالفخر الثقافي. لقد استلهمت من هذا كله في كتابتي، وكان من المهم جداً لي استكشاف هذا التناقض وإظهار كلا الجانبين للمدينة.
الكاتبة «كريستين نويل» تقوم بتوقيع نسخ من كتابها خمسة فصول في سيئول خلال حفل إطلاق وتدشين المذكرات. (المصدر: الحساب الشخصي للكاتبة كريستين نويل مع أخذ الإذن باستخدامها)
تغيرت علاقتي بالطعام بشكل جذري. كما ذكرت سابقاً، لم أكن في حالة نفسية أو بدنية جيدة عندما وصلت إلى سيئول؛ كنت أعيش في «وضع البقاء والمقاومة»، آكل فقط لأنني مجبرة على ذلك، وغابت البهجة عن وجباتي، وكانت معنوياتي في الحضيض. لكن مشاركة الوجبات مع زملائي والتعرف على نكهات وعناصر المطبخ الكوري غيّرت حالتي المزاجية والنفسية للأفضل. أصبح الطعام شيئاً أتطلع إليه بشغف، وفي كل فصل كنت أتحمس لتجربة أطباق جديدة؛ بدءاً من حساء العظام (السولونغتانغ)، وحساء معجون الصويا (الدوينجانغ ججيغيه)، وعصيدة الفاصوليا الحمراء (الباتجوك) في الشتاء، وصولاً إلى المعكرونة الباردة (النينغميون) وكيمتشي الفجل الصيفي (يولمو كيمتشي) في الصيف.
بالنسبة للعديد من المغتربين، تعد الكتابة وسيلة للتعامل مع المفاجأة الثقافية أو للتعبير عن الإعجاب الشديد. ما هو الجزء الأكثر تحدياً والأكثر إيجابية في توثيق جوهر كوريا على الورق؟
الجزء الأكثر تحدياً كان إجبار نفسي على نبش واستعادة فترة مؤلمة من حياتي; فقد غادرت إلى كوريا بعد عامين فقط من وفاة والدي إثر مرض طويل، وكانت تلك السنوات قاسية جداً. لكن مكاسب وثمار الكتابة عن تجربتي فاقت تلك التحديات بمراحل. إن إعادة إحياء ذلك العام من خلال كلماتي والتنقل عبر كل فصل، ووصف الطعام، والمناظر الطبيعية، والثقافة جلب لي سعادة غامرة. يمكن اختصار جوهر علاقتي بكوريا في كلمة واحدة: الحب.
كانت إقامتي هناك بمثابة هدية وامتياز كبيرين. لقد أتاحت لي كتابة مذكراتي «خمسة فصول في سيئول» الفرصة للتعبير عن امتناني العميق وللتأمل في الطرق العديدة التي أغنت بها هذه التجربة حياتي، وآمل أن يصل هذا الشعور بالارتباط إلى القراء ويتفاعلوا معه.
ابتسامة تعكس الامتنان؛ «كريستين نويل» تحتفي بصدور كتابها الذي تلخص فيه جوهر علاقتها بكوريا في كلمة واحدة: «الحب». (المصدر: الحساب الشخصي للكاتبة كريستين نويل مع أخذ الإذن باستخدامها)
كمراسلة فخرية لموقع «كوريا نت»، فإن قرائي يملكون شغفاً كبيراً بكوريا. ما هي النصيحة الوحيدة التي تقدمينها لشخص يحلم بالسفر إلى سيئول أو العيش فيها ليختبر فصولها بنفسه؟
نصيحتي هي أن ينغمسوا في تفاصيل الطبيعة والثقافة المحيطة بهم، وأن يقرأوا ويتعلموا عن أهمية وتاريخ الأماكن التي يزورونها. في حين أنه من الممتع القيام بكل الأشياء السياحية والشائعة التي نراها على منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة، إلا أنني أوصي أيضاً بالبحث بشكل أعمق وتجربة ثراء الحياة اليومية الكورية الحقيقية. إن التحرك ببطء ووعي واستيعابٍ داخل المكان يمنح المرء تجربة أكثر قيمة وإثراءً بكثير من الاندفاع والمرور السريع عليه.
في النهاية، تذكرنا رحلة «كريستين نويل» بأن كوريا ليست مجرد وجهة سياحية عابرة لثقافة البوب أو الصيحات الحديثة؛ بل هي ملاذ تقدم فيه التقاليد الراسخة والإيقاعات الطبيعية فرصة حقيقية للتشافي والنقاء النفسي. يأتي كتابها «خمسة فصول في سيئول» ليكون بمثابة تحية شكر وامتنان دافئة للبلد الذي احتضنها عندما كانت في أمسّ الحاجة إلى ذلك. ولكل من يرغب في فهم روح كوريا الحقيقية، تبدو نصيحة كريستين هي المفتاح: تباطأ، واستمتع بمائدة الـ«بابسانغ»، واترك الفصول تغيرك من الداخل.
أتوجه بخالص الشكر للكاتبة «كريستين نويل» على مشاركتنا قصتها الملهمة ووقتها! يمكنكم العثور على مذكراتها «خمسة فصول في سيئول» عبر المتاجر الرقمية ودور النشر الكبرى، ومتابعة رحلتها عبر *حسابها الشخصي على إنستغرام.
(christinenewellwriter@)*
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.